في نهاية شهر أبريل/نيسان في سوريا، اجتمع عشرات السكان المحليين في عدة مدن وبلدات معًا لأول مرة للحديث عن تجاربهم خلال النزاع الذي استمر 14 عامًا، والذي مزّق المجتمع وأسفر عن انتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان. وقد أتاحت هذه الحوارات المجتمعية، التي نظمها المركز الدولي للعدالة الانتقالية بالشراكة مع مشروع "جسور الحقيقة"، مساحة آمنة للمشاركين لمشاركة قصصهم ومعاناتهم، ومناقشة احتياجاتهم، والتعبير عن آمالهم في العدالة والمصالحة.
أوضحت نوشا قبوات، رئيسة برنامج سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية: "يستمع فريق جسور الحقيقة إلى الضحايا منذ سنوات، لكن هذه الحوارات كانت المرة الأولى التي نقوم فيها بذلك داخل سوريا، في نفس الأماكن التي وقعت فيها الانتهاكات". وأضافت: "جلسنا مع أشخاص ما زالوا يعيشون في ظل مراكز الاحتجاز، ومنازلهم المدمرة، وأنظمة معطلة. استمعنا إلى قصصهم في مدنهم، بين الأنقاض، مما أضفى على الدعوة إلى الحقيقة إلحاحًا لم تستطع أي محادثة في الخارج تحقيقه".
مشروع "جسور الحقيقة" هو ثمرة تعاون بين سبع منظمات مجتمع مدني سورية رائدة والمركز الدولي للعدالة الانتقالية. أُطلق المشروع عام ٢٠١٧، ويهدف إلى رفع مستوى الوعي بمعاناة المعتقلين والمختفين قسرًا وعائلاتهم، ويدافع عن العدالة لضحايا النزاع السوري وقمع النظام السابق الذين لا حصر لهم.
عُقدت جلسات الحوار المُدارة من 28 إلى 30 أبريل/نيسان في سبع مدن وبلدات سورية: دمشق، درعا، النبك، حمص، السلمية، الأتارب، وعفرين. أُلغيت جلسة ثامنة، كان من المقرر إقامتها في السويداء، لأسباب أمنية. تألف فريق المركز الدولي للعدالة الانتقالية من ثمانية مُيسّرين من المنظمات الشريكة في "جسور الحقيقة"، إلى جانب مستشاري دعم نفسي واجتماعي ساهموا في ضمان شعور المشاركين بالراحة في التعبير عن آرائهم، وشركاء محليين ساهموا في تنسيق الجلسات، ومدوّنين للملاحظات. وقد نشر المركز الدولي للعدالة الانتقالية و"جسور الحقيقة" مؤخرًا تقريرًا جديدًا يعرض نتائج الجلسات، بالإضافة إلى توصيات.
وقد جمعت كل جلسة نحو عشرين مشاركًا من خلفيات عرقية ودينية وطائفية متنوعة، بما في ذلك الضحايا من الذكور والإناث، والمعتقلين السابقين، والنازحين، والمحامين، وممثلي مجموعات المجتمع.
هدفت الجلسات إلى تعميق فهم معنى السلام والعدالة والإصلاح للسوريين العاديين، وكيفية تحقيق السلام المستدام وتحقيق العدالة من منظورهم. قال أحد المشاركين في جلسة حمص: "كنت أعتقد أن لا أحد يهتم بالاستماع إلينا. طوال هذه السنوات، كنا نتحدث فيما بيننا فقط. اليوم، شعرتُ لأول مرة بوجود أذن صاغية".
غطت الجلسات مواضيعَ موضوعيةً شملت المساءلة، وتقصي الحقائق، والسلم الأهلي، وجبر الضرر. وحرص فريق التيسير على تكييف المناقشات مع السياق المحلي، متجنبًا المصطلحات السياسية أو القانونية المعقدة، وحرصًا على مشاركة الجميع فيها. وتناولت الجلسات أسئلةً شائكةً، مثل: ما رأي السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد، ونوع العدالة التي ينبغي أن يسعى إليها الناس، وكيف يُمكن استعادة السلم الأهلي.
من المثير للدهشة أن المشاركين أبدوا حماسًا حقيقيًا للحديث عن مختلف المواضيع، والتعبير بشغف عن آرائهم وأفكارهم حول المستقبل، بل وحتى الانفتاح على قضايا حساسة تتعلق بالانتهاكات التي تعرضوا لها واحتياجاتهم المستمرة. وكثيرًا ما بدأوا حديثهم بحماس عن خسائرهم ومخاوفهم ورغبتهم في فهم ما حدث واستعادة كرامتهم. وتشاركوا قصصًا عن جيران اختفوا دون وداع، وأحباء انتظروهم لسنوات، بل عقودًا، دون أي أخبار.
روى المشاركون تجارب التشرد والبطالة وفقدان الأجور في ظل الفساد وانعدام القانون. كما أعربوا عن أسفهم لحرمان أطفالهم من التعليم ونقص الرعاية الصحية. وتبين من الشهادات أن النساء والأطفال كانوا من بين أكثر المتضررين. وأوضح معلم متقاعد: "لم نفقد مدارسنا فحسب، بل فقدنا طفولتنا نفسها".
دعا العديد من المشاركين إلى تعريف أوسع لـ"الضحية"، لا يقتصر على من سُجنوا أو عُذّبوا، بل يشمل أيضًا من فقدوا وظائفهم، ومن لم يتمكن أطفالهم من الالتحاق بالمدرسة، ومن واجهوا الإقصاء الاجتماعي. قالت إحدى المشاركات في جلسة النبك: "أنا ضحية، لكنني لم أُسجن. حُرم أطفالي من التعليم، وفقدت وظيفتي".
أكدت المشاركات على أهمية توفير مساحات آمنة لهن للتعبير عن مخاوفهن. وكما قالت إحدى المشاركات في جلسة عفرين: "أحتاج إلى التحدث، ولكن ليس أمام الجميع. أريد مكانًا لا أكون فيه مجرد ضحية".
بشكل عام، اعتبر المشاركون العدالة قضية وطنية بالغة الأهمية، ودعا معظمهم إلى دولة عادلة وقضاء نزيه. ومع ذلك، أقرّوا أيضًا بالتحديات الهائلة التي تواجه أي مساءلة حقيقية، وأبرزها الفساد القضائي. علاوة على ذلك، اعتبر العديد من المشاركين القضاء ومؤسسات الدولة الأخرى مصادر للقمع والظلم، لا حصونًا أو ضمانات للعدالة. وتساءل أحد المشاركين: "كيف يُمكن محاسبة شخص ما والقاضي نفسه هو من وقّع أحكام الإعدام؟"
بالنسبة للكثيرين، كانت العدالة أكثر من مجرد حل قانوني، بل اعتبروها جزءًا من تحول اجتماعي أوسع يبدأ بالشعب ويتضمن إعادة بناء الثقة المدنية والمصالحة الشخصية والمجتمعية. قال أحد المشاركين في جلسة درعا: "العدالة لا تبدأ من المحكمة، بل تبدأ في الشارع، باستعادة ثقتنا ببعضنا البعض".
في النهاية، اتفق المشاركون على أن العدالة الانتقالية ضرورية للسلام والعدالة واستعادة الثقة المدنية في سوريا. ولكن، كما أوضحت شهاداتهم بوضوح لا يقبل الشك، فإن أي عملية جادة تتطلب توفير مساحة، مثل المشاورات العامة، ليشارك الناس تجاربهم، ويحددوا الانتهاكات التي تعرضوا لها، ويعبروا عن رؤيتهم للعدالة. علاوة على ذلك، يجب إجراء هذه المشاورات بعناية فائقة. فبدون الإعداد والدعم والتأطير المناسب، فإنها تُخاطر بإعادة فتح الجروح دون أن تُمهد الطريق للمضي قدمًا.
شددت قبوات على أنه "لا يكفي أن نطلب من الناس التعبير عن آلامهم، بل يجب علينا أيضًا تهيئة بيئة تُمكّنهم من التأمل في الماضي وتخيل مستقبلهم، دون تعزيز الخوف أو الغضب أو الانقسام. فعندما تُجرى المشاورات العامة بعناية، فإنها تُرسي أسس الثقة المدنية والالتزام المشترك بالعدالة".
___________
الصورة الرئيسية: سكان حمص يشاركون قصصهم وأفكارهم حول كيفية تحقيق السلام الدائم والعدالة في سوريا خلال جلسة حوار مجتمعي بقيادة المركز الدولي للعدالة الانتقالية في 28 أبريل. (عبد الباسط الحسن/المركز الدولي للعدالة الانتقالية)