إلى هيئتي العدالة الجديدتين في سوريا: الضحايا في حاجة إليكما حالًا

31/07/2025

لا نزال نشهدُ اليومَ، على امتداد الأراضي السّوريّة، ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان واعتداءاتٍ تنافي المبادئ الأساسيّة التي بُنيَت عليها الثّورة، ألا وهي الاحترام والكرامة والحريّة والعدالة للجميع. وقد أجّجت الأحداث الأخيرة التي وقعت في السّاحل والسّويداء، شعور الخوف وانعدام الثّقة الذي كان يُساور في الأصل جماعات كثيرة. فتلك الانتهاكات، أيًّا يكُن مرتكبوها، إنّما تُهدّد بتعميق الجراح التي لا تزالُ نازفة، كما تُهدّد بفتح جراحٍ جديدة، وبإحباطِ مساعي البلد الرّامية إلى بناء أواصر الثّقة بين المواطنين من جهة والمؤسّسات المُفترض بها خدمتهم من جهةٍ أخرى.

على مرّ الأشهر الأخيرة المنصرمة، جهدَت كلٌّ من الهيئة الوطنيّة للعدالة الانتقاليّة والهيئة الوطنيّة للمفقودين في سوريا، في إقامة كيانها والشّروع في تنظيم الاستشارات، وإرساء أُسس تفويضها. وقد بذلت كلا الهيئتَيْن جهودًا في سبيل بناء موثوقيّتها مع السّوريّين والسّوريّات من جهة ومع المجتمع الدّوليّ من جهةٍ أخرى. لكنَّ الثّقة لا تُمنح بموجب مرسومٍ، بل تُكتسب كسبًا. واليوم، وتحديدًا عندَ هذا المفصل التّاريخيّ المصيريّ، يجب على الهيئتَيْن آنفتي الذّكر أن تُبديا فعلًا، لا قولًا، أنّهما على أهبة الاستعداد لتولّي زمام القيادة باستقلاليّة وشفافيّة وبسالة، وأنّهما قد وُجدتا، أوّلًا وآخرًا، لخدمة الضّحايا.

تُعنى العدالة الانتقاليّة، في جوهرها، بتحويل المجتمعات، على غرار المُجتمع السّوريّ، وبإحداث تغيير فيها عقب انتهاء حربٍ أو انقضاء حكمٍ قمعيّ. وهي تُعنى أيضًا بإنصاف الضّحايا ومُحاسبة الجناة من أجلِ كسر دوّامات الإقصاء والإنكار والاعتداء التي طبعَت ماضي سوريا، كما تُعنى ببلورةِ سبلٍ جديدة تُقرّب السّوريّين والسّوريّات بعضهم من بعضٍ ومن الدّولة على حدّ سواء.

لكنّ هاتَيْن المؤسستَيْن المُستحدثتَيْن، إن حذوتا حذو غيرهما من المؤسّسات الماضية، ولزمتا الصّمت حين يحتاج الضّحايا إلى الإقرار بهم أو حين يرتدعونَ عن اتّخاذ موقفٍ حازمٍ عندَ وقوع اعتداءاتٍ، فإنّ المسار برمّته مُعرّض إمّا لفقدان موثوقيّته وإمّا لبطلان جدواه. وفي طبيعة الحال، لن يثق السّوريّون والسّوريّات في مؤسّساتٍ لا تبدو مختلفة عن تلك التي أخفقت في السّابق.

لهذا السّبب، يجب على الهيئتَيْن الجديدتيْن أن تعتزما الإقرار صراحةً بالانتهاكاتِ، أينما وقعت، والتّحدثّ مع الضّحايا من دونِ تمييز أو خشية من الضّغوط السّياسيّة. هذا ويجب على الهيئتيْن إظهار استقلاليّة حقّة، من خلال ضمان عدم إقصاء أي جماعة أو فردٍ، بصرف النّظر عن محلّ إقامته أو عن هويّة الجاني. ولا بدّ أن تعكس كلٌّ من الهيئتَيْن تنوّع سوريا في تشكيلها وفي مواقع صنع القرار، لئلّا يشعر أحدٌ بأنّه مُقصًى من هذه العمليّة، وحتّى يجد الضّحايا أنّهم قد أُحسنَ تمثيلهم وأنّهم قد لقوا آذانًا صاغية.

والإقرار يتطلّب قولًا وفعلًا: فالتّنديد الرّسميّ بالأعمال العدائيّة التي وقعت في السّويداء وغيرها من المناطق حيث ترتكب الانتهاكات، تمامًا مثل الإقرار بالضّحايا جميعًا، مطلوبٌ ومُنتظر.

وعلى سواء الأهمية، يجب على الهيئتَيْن أن تتّخذا خطوات للتنسيقِ، حيثُ يلزم وكما يلزم، مع أجهزةٍ أخرى في سبيلِ ضمان المضيّ قدمًا بتنفيذ تفويضَيْهما. هذا ويجب عليهما التّواصل بشكلٍ صريحٍ ومُتّسق مع السّوريّين والسّوريّات، وتحديدًا الضّحايا وعائلاتهم. ولا بدّ أن تشرح كلّ هيئة على حدة، كيفَ تعمل، ومَن تستمع إليه، وكيف تُلبّي احتياجات النّاس، في وقتٍ لا تزال الثّقة في المؤسّسات مُتقلقِلة للغاية. إذًا، يستلزم بناء هذه الموثوقيّة من الهيئتَيْن مواصلة التّواصل مع الضّحايا وتيسير مُراسلتهم واعتزام الإقرار بالقيود التي تعترضهم.

وقد أعربت الهيئتان مرارًا عن التزامها بأن تكون اشتماليّة ومستقلّة ومتمحورة حول الضّحايا. والآن، قد حان موعد الإيفاء بهذه الوعود. فالطّريقةُ التي تنتهجُها الهيئتان حاليًّا إنّما تحدّد مسار العدالة الانتقاليّة برمّته. والإخفاق في العمل ليسَ من شأنه إلّا أن يُعدِم ثقة العامّة في الهيئتَيْن وأن يُخلّ بموثوقيّتهما. أمّا العمل الواضح المبدئيّ الملموس لمس اليد، فيُبرهن، في المُقابل، للسّوريّين والسّوريّات والعالم أجمع، أنّ هاتَيْن المؤسّستيْن هما آليّتان جادتّان تؤولان إلى معرفة الحقيقة وإحقاق العدالة وتحقيق التّشافي.

ولا يُختزل ذلك بالاستجابة إلى أزمةٍ أو بتلبية احتياجاتِ منطقةٍ فحسب. فطريقة الاستجابة التي تعتمدُها الهيئتان الآن إنّما تُشكّل أوّل مثالٍ تُقاسُ عليه كيفيّة تصرّفها لاحقًا عند ارتكاب انتهاكات أو وقوع مظالم مدنيّة في أيّ مكان من أرجاء سوريا. لذا، ينبغي بالهيئتيْن أن تبلورا مقاربة استباقيّة تُخوّلهما الاستجابة فورًا لأيّ وضع على نحو واضحٍ أخلاقيًّا ومستقلّ تمامًا، حتّى في حال تعذّر التّواصل المباشر مع الضّحايا. هذا ويجب أن تأتي الهيئتان بخطّة وسياسات استراتيجيّة تُرشد مسار عملهما، على أن يشمل ذلك تحديد مبادئ بيِّنَة للتواصل مع العامّة، ووضع بروتوكولات تضبطُ التّفاعل مع الأفراد والجماعات، وتحميهم أثناء مشاركتهم في الاستشارات وما عداها من عمليّات، وتضمنُ محورَة المشاركة حول الضّحايا حتّى عند قصور الوصول إلى الجماعات. ويجب أن تتابع الهيئتان عقد الاستشارات، عملًا بما ينصّ عليه تفويضهما، وأن تلتزما بنشرِ نسخةٍ علنيّة إفساحًا للتّعليق عليها.

لقد طال انتظار الشّعب السّوريّ لمؤسّساتٍ تخدمهم حقّ الخدمة. لذا، فإنّ كلّ قرارٍ تتّخذه الهيئتان الآن، إمّا أن يُدنيهما وإمّا أن يُبعدهما من كسب الثّقة والاحترام المرهون بهما نجاحهما. آن أوان القيادة بالقدوة. فَعلى هذه القيادة تعتمدُ موثوقيّة مسار العدالة الانتقاليّة في سوريا، وعليها تُعلّق آمال الملايين مِمّن يتوقون إلى مُستقبلٍ آمنٍ من القمع والاستبداد.

_____________

الصّورة: جداريّة في دمشق تُظهر رسمًا للرّئيس السّابق حافظ الأسد المعروف عنه إيعازه بإيقاع مجازر وحشيّة بحقّ المدنيين في الثمانينات من القرن الماضي، وقد لُوّن عليها علم الثّورة السّوريّة، في 28 نيسان/ أبريل 2025. (عبد الباسط الحسن/ المركز الدّولي للعدالة الانتقاليّة)